أبي حيان الأندلسي
125
البحر المحيط في التفسير
كالركبة ووقع حالا اسم الهيئة في قولهم : مررت بماء قعدة رجل ، وهي الحالة التي يخلف عليها الليل والنهار كل واحد منهما الآخر . والمعنى جعلهما ذوي خلفة أي ذوي عقبة يعقب هذا ذاك وذاك هذا ، ويقال الليل والنهار يختلفان كما يقال يعتقبان ومنه قوله وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ * « 1 » ويقال : بفلان خلفة واختلاف إذا اختلف كثيرا إلى متبرزه ومن هذا المعنى قول زهير : بها العيس والآرام يمشين خلفة وقول الآخر : يصف امرأة تنتقل من منزل في الشتاء إلى منزل في الصيف دأبا : ولها بالماطرون إذا * أكل النمل الذي جمعا خلفة حتى إذا ارتفعت * سكنت من جلق بيعا في بيوت وسط دسكرة * حولها الزيتون قد ينعا وقيل خِلْفَةً في الزيادة والنقصان . وقال مجاهد وقتادة والكسائي : هذا أسود وهذا أبيض وهذا طويل وهذا قصير . لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ . قال عمر وابن عباس والحسن : معناه لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ ما فاته من الخير والصلاة ونحوه في أحدهما فيستدركه في الذي يليه . وقال مجاهد وغيره : أي يعتبر بالمصنوعات ويشكر اللّه تعالى على نعمه عليه في العقل والفكر والفهم . وقال الزمخشري : وعن أبي بن كعب يتذكر والمعنى . لينظر في اختلافهما الناظر فيعلم أن لا بد لانتقالهما من حال إلى حال وتغيرهما من نافل ومغير ، ويستدل بذلك على عظم قدرته ويشكر الشاكر على النعمة من السكون بالليل والتصرف بالنهار كما قال تعالى : وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ « 2 » وليكونا وقتين للمتذكر والشاكر من فاته في أحدهما ورده من العبادة أتى به في الآخر . وقرأ النخعي وابن وثاب وزيد بن عليّ وطلحة وحمزة تذكر مضارع ذكر خفيفا . ولما تقدم ذكر الكفار وذمهم جاء لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً ذكر أحوال المؤمنين المتذكرين الشاكرين فقال : وَعِبادُ الرَّحْمنِ وهذه إضافة تشريف وتفضل ، وهو جمع عبد . وقال ابن بحر : جمع عابد كصاحب وصحاب ، وتاجر وتجار ، وراجل ورجال ، أي الذين يعبدونه حق عبادته . والظاهر أن وَعِبادُ مبتدأ و الَّذِينَ يَمْشُونَ الخبر .
--> ( 1 ) سورة البقرة : 2 / 164 وغيرها . ( 2 ) سورة القصص : 28 / 73 .